الشيخ محمد رشيد رضا

208

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الركن الأول للدين الايمان باللّه تعالى ) فالركن الأول الأعظم من هذه الأركان - وهو الايمان باللّه تعالى - قد ضل فيه جميع الأقوام والأمم حتى أقربهم عهدا بهداية الرسل ، فاليهود جعلوا اللّه كالانسان يتعب ويندم على ما فعل كخلقه للانسان لأنه لم يكن يعلم أنه سيكون مثله ، « أو مثل الآلهة » وزعموا انه كان يظهر في شكل الانسان حتى إنه صارع إسرائيل ولم يقدر على التفلت منه حتى باركه فأطلقه ! وعبدوا بعلاو غيره من الأصنام . والنصارى جددوا من عهد قسطنطين الوتنيات القديمة ، فغمر الشرك باللّه هذه الأرض بطوفانه ، وطغت الوثنية على أهلها ، حتى صارت كنائس النصارى كهياكل الوثنية الأولى مملوءة بالصور والتماثيل المعبودة - على أن عقيدة التثليث والصلب والفداء هي عقيدة الهنود في كرشنة وثالوثه في جملتها وتفصيلها ، وهي مدعومة بفلسفة خيالية غير معقولة وبنظام يقوم بتنفيذه الملوك والقياصرة ، ويبذل في سبيله القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، ويربى عليه الاحداث من الصغر تربية وجدانية خيالية لا تقبل حجة ولا برهانا ، فهدم معاقل هذه الوثنية وحصونها المشيدة في الافكار والقلوب ما كان ليتم بإقامة برهان عقلي أو عدة براهين على توحيد اللّه عز وجل ، بل لا بد فيه من دحض الشبهات وتفصيل الحجج العقلية والعلمية والخطابية بالعبارات المختلفة وضرب الأمثال ، لذلك كان أكثر المسائل تكرارا في القرآن مسألة توحيد اللّه عز وجل في ألوهيته بعبادته وحده ، واعتقاد أن كل ما سواه من الموجودات سواء في كونهم ملكا وعبيدا له لا يملكون من دونه نفعا ولا ضرا لأحد ولا لأنفسهم إلا فيما سخره من الأسباب المشتركة بين الخلق كما شرحناه مرارا . واما تكرار توحيد الربوبية وهو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني فليس سببه كثرة المشركين بربوبيته تعالى ، بل سببه إقامة الحجة به على بطلان شرك العبادة بدعاء غير اللّه تعالى لأجل التقرب اليه بأولئك الأولياء وابتغاء شفاعتهم عنده ، فشر الشرك وأعرقه في الكفرو أكثره في ضعفاء العقول انما هو توجه العبد إلى غير اللّه تعالى فيما يشعر بالحاجة اليه من كشف ضر وجلب نفع من غير طريق الأسباب ، فقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة ،